نخبة من الأكاديميين
104
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بحيث يموت المسيحيون أو يصيروا مجذومين . وبررت الشائعات هذه المؤامرة بأن اليهود يكرهون المسيحيين بالطبيعة ، وأن المجذومين كانوا يريدون الهرب من عار الجذام بتحويل أنفسهم من أقلية إلى أغلبية . أما المسلمون - حسبما قالت الشائعات - فإنهم كانوا يسعون إلى استعادة الأراضي التي فقدوها من المسيحيين عندما يصيب هؤلاء الوهن والمرض . وقد استخدمت « الاعترافات » التي انتزعتها محاكم التفتيش تحت وطأة التعذيب لكي تتشعب هذه المؤامرة المزعومة ويتسع مداها . لقد عكست هذه الحادثة الشنيعة ، التي أسماها البعض « كابوساً متشابك الروابط » مدى التلفيق الشاذ في بناء صورة « الآخر » ؛ إذ تم حشر جميع أعداء المسيحية الكاثوليكية بحيث صاروا في الواقع « عدوًا » واحدًا . ويرى بعض الباحثين أن من بين الأسباب الكثيرة لانفجار كراهية الأجانب على هذا النحو في أوروبا القرن الرابع عشر ما أصاب أوروبا من إحباط بعد الانتصارات الحاسمة التي حققها المسلمون في الأراضي المقدسة في العقد الأخير من القرن الثالث عشر ، وذلك إضافة إلى تحول المغول إلى قوة إسلامية مهمة بعد اعتناقهم الإسلام في أواخر القرن أيضًا . فشعرت أوروبا بأنها أمام قوة إسلامية متعاظمة . وعندما قاربت العصور الوسطى نقطة النهاية ، كانت أوروبا تعاني من اتساع نطاق الخطر الإسلامي ممثلًا في الدولة العثمانية التي مدت نطاق سيطرتها رويدًا رويدًا حتى استولت على القسطنطينية سنة 1453 م وحولتها إلى عاصمة إسلامية . ومع نهاية العصور الوسطى صارت إدانة الإسلام في الرؤية الأوروبية صورة كئيبة متكررة وبقي الإسلام والنبي محمد " ص " لغزًا بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من أبناء الغرب الأوروبي الذين استسلموا للصورة السلبية التي رسمت ملامحها كتابات النخبة الأوروبية التي تحمل من الخيال الشرير أكثر بكثير مما تحمل من الحقائق الموضوعية . ويكفي أن نشير هنا إلى كثرة عدد الكتب الزائفة التي كتبت عن النبي " ص " بصورة سلبية وزائفة . كما أن دانتي الليجيري صاحب « لكوميديا الإلهية » التي يعتبرها الباحثون الأوروبيين درة النتاج الأدبي الأوروبي أواخر العصور الوسطى - على الرغم من ثبوت اقتباسها من نص لابن العربي - قد وضع النبي في الدائرة الثامنة من الجحيم . ولقد عاد التيار العدائي ضد الإسلام في صورة أكثر هيستيرية ليستمر حتى أواخر العصور الوسطى . أما على الجانب الآخر ، أي في العالم المسلم ، فعادة ما كانت السلطات الإسلامية متسامحة تجاه رجال الكنيسة المسيحية وأتباعهم الذين يعيشون في الدول الإسلامية . وهنا ينبغي أن نشير إلى أن العالم المسلم عمد إلى اتخاذ احتياطات لحماية أراضيه من أي عدوان أوربي محتمل تحت راية الحروب الصليبية ، وحذر الرعايا المسيحيين من مغبة الاتصال بالقوى المسيحية في أوروبا وفي الحبشة . ولكن الأمر لم يتعد هذه الإجراءات الإدارية التي لم يكن لها أثر على أرض الواقع . وكانت السلطات في البلاد الإسلامية في حوض المتوسط تعرف أن النصارى من رعاياها لا علاقة لهم بالقوى الصليبية . وعلى الرغم من حملة " بطرس لوزنيان " الصليبية الفاشلة على الإسكندرية سنة 767 ه - / 1365 ه - ، وما